حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
88
شاهنامه ( الشاهنامه )
البلاد فرحت بذلك . وليس بيني وبينه بعد هذا اليوم إلا السيف . ولا أمكنه من أن يطأ هذه الأرض . وإني أرجو الآن أن تمهلونى ريثما أنفذ رسولا إلى خدمة تخت الملك أفراسياب ، وأعرض عليه خلوص طويتى في صدق عبوديته ، وأبعث نثارا إلى حضرته ، ثم أتبع أمره حتى لو أشار بالمبادرة إلى خدمة التخت لسلمت إليكم هذه الممالك ونهضت على رأسي مبادرا إلى حضرته ، ووقفت ماثلا عند سدّته . فكفهم بهذه الحيلة عن محاربته ، ونفذ رسولا إلى زال يعلمه بمجئ عساكر الترك إلى هيرمَند وأنه احتال عليهم بما منعهم عن مناجزته ، فإن توقفت ساعة عن التوجه إلى هذه الخطة لم يبق منها عين ولا أثر . إنجاد زال مهراب قال : فلما وصل الرسول إلى زال ، ورأى رسوخ قدم مهراب في موافقته ، وعلم صدق عزيمته على مساعدته عاود تلك البلاد كالنبل الصارد في رجال أحرجتهم الحفيظة وأزهقتهم الحمية . فلما اجتمع بمهراب أثنى عليه ، وشكر سعيه ، وحرضه على ملاقاة العدوّ . وقال : سأخرج هذه الليلة على هؤلاء الأتراك ليعلموا بمقدمى . فخرج في جنح الليل . فلما قرب من معسكر الأتراك رمى بثلاثة أسهم إلى وسط خيامهم . فوقع فيهم الاضطراب ، وعلت منهم الأصوات . فلما أصبحوا نظروا إلى تلك السهام فعلموا بقدوم زال ، وفطنوا لحيلة مهراب . وأمر زال فبرزت عساكره من المدينة ، وخيموا بظاهر البلد ، وتأهبوا للمدافعة والممانعة ، ورفعت الكوسات على كواهل الفيول . واشتعلت الأسود على حوارك الخيول . فازدلف الفريقان ، والتقى الجمعان . وأقبل خزيران كالهزير الكاسر على زال فعلاه بعمود كان في يده فمزق على أكتافه جواشنه . فتقدّمت الفرسان الزاولية . وثنى زال عنانه ، ولبس خفتانا آخر ، وأقبل على خزيران رافعا على كاهله جُرزا كقطعة جبل فلم يكن سوى أن ضربه واحدة خر منها صريعا لليدين وللفم ، معفرا في التراب مضرجا بالدم . ولما فرغ من خزيران جال في العسكر يطلب شماساس فلم يظهر لمبارزته . فوقع تحت ظلام العجاج على كلباذ أحد أعيان التورانية . فرفع على رأسه الجزر ففر من بين يديه . فأخذ القوس ورماه بنشابة سمرته على سرجه . فلما رأى شماساس ذلك ولى هاربا ونكب عن المحاربة جانبا ، وطار بقوادم العجل ، يحفزه سائق الخوف والوجل ، متوجها نحو أفراسياب في جماعة أفلتوا من مخالب المنون . وحين توسط البرية صادف قارَن راجعا من محاربة ويسه دامى الأظافر خضيب البواتر . فعرفهم وعلم أنهم منهزمون من زاولستان فأمر بضرب البطول وسل السيوف ، وصدمهم صدمة لم ينج منها